ابن رشد

256

تهافت التهافت

المسألة الثالثة عشر في إبطال قولهم أن اللّه تعالى عن قولهم لا يعرف الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان وما يكون وقد اتفقوا على ذلك فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه فلا يخفى هذا من مذهبه ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره ، وهو الذي اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لأنه يعلم الجزئيات بنوع كلي . ونبين هذا بمثال وهو أن الشمس مثلا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ، ثم تتجلى فيحصل له ثلاثة أحوال أعني الكسوف حالة هو فيها معدوم ، ولكنه كان منتظر الوجود أي سيكون وحال هو فيها موجود ، أي هو كائن وحال ثالثة هو فيها معدوم ، ولكنه كان من قبل ولنا بإزاء هذه الثلاثة أنحاء من الوجوه ثلاثة علوم مختلفة : فإنا نعلم أولا أن الكسوف معدوم وسيكون وثانيا أنه كائن وثالثا أنه كان وليس كائنا الآن ، وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة ، فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما كان قبل كان جهلا لا علما ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جهلا ، فبعض هذه لا تقوم مقام بعض . فزعموا أن اللّه تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثالث فإنه يؤدي إلى التغير وما لم تختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة ، فإن العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة ، والتغير على اللّه تعالى محال . ومع هذا زعموا أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ، ولكن علما يتصف به في الأزل ولا يختلف مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجودة وأن القمر موجود وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولا مجردة ، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطع على نقطتين هما الرأس والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس ، أن يحول جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين فتستتر الشمس عن الأعين وأنه إذا جاوزت العقدة مثلا بمقدار كذا وهو سنة مثلا فإنها تنكسف مرة أخرى ، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها وأنه